الأحد 19 تشرين الثاني 2017

"معركة الوجود" بين حسن نصرالله والفاتح الجولاني

علام أحمد

على قدر ما يحتمل اجتماع اسمي "الفاتح أبو محمد الجولاني" و"حسن نصرالله" في تركيب واحد من تناقض، على قدر ما يعبر هذا التناقض عما جرى ويجري من أحداث في جحيم قلب العالم، وخلاف ما سادت تسميته على مدى أعوام ثلاثة في سورية من "المؤامرة، الثورة، الحرب الأهلية..الخ"، باتت الرؤية اليوم واضحة، بعدما أعلن الجميع عن آخر نسخة "للأزمة-الحرب"، بناءً على توافقات دولية مرحلية أو ثابتة لسنوات وإن لم تأخذ شكل التصريح المباشر، فالفاتح الجولاني زعيم جبهة النصرة القاعدية الذي ظهر على شاشة "الجزيرة" في لقاء حصري مساء 19 الجاري لم يكن يتحدث باسم القاعدة مشروعاً ونهجاً، بقدر ما كان حديثه وتوقيته ذا دلالة ورسالة يقف وراءها تحالف له مشروعه الخاص في الشرق الأوسط وأراده أن يتحدث بالمنطق الذي ظهر عليه، في حين أن أمين عام حزب الله اللبناني حسن نصرالله الذي خطب مساء اليوم الذي يليه (20 الجاري) مؤبناً أحد قادة حزبه، بدا أنه يتحدث أيضاً حين تناوله للشأن السوري باسم حلف يناقض حلف الجولاني مطلقاً على معركته في سورية بمعركة الوجود، على الرغم من أنه بدا منفتحاً على لغة التصالح والتسامح محاولاً النأي بنفسه عن خلافات السوريين ونظامهم، أما السلطة السورية على اعتبارها "المستضيف" لميدان الحرب فهي من جهة جزء من معركة نصرالله على اعتبار وحدة المحور كما يصطلح عليه الطرفان، ومن جهة أخرى تقف مع المجتمع الدولي ضد إرهاب يدمر البلاد، والمفارقة هنا أن المجتمع الدولي ذاته كان قد حاك مؤامرة كونية ضد نظام ممانع يقوده الأسد قبل أن يصبح نظام -مقاومة على الطريقة اللبنانية- ولاحقاً شرطي الإرهاب الضارب بعصا القانون الدولي، لكن هذا لا يؤخذ بحسابات السلطة فما يعنيها هو الاستمرار والانتصار بمنطقها الخاص لا بمنطق الدولة وسيادتها أو الشعب وقضاياه وحقوقه.

إرادة دولية وإقليمية خفية

"معركة الوجود" تلك لم تأتِ من فراغ بل هي حصيلة تراكمات تبلورت أبعادها الحقيقية على أرض النزال السورية، وتقف وراءها إرادة دولية وإقليمية تريد استمرار الصراع على اختلاف أسبابه وتأجيجه أكثر، فحيث الفاتح زعيم النصرة أعلن صراحة بأنه لن يقبل أن تخدع الأمة من جديد من البوابة السورية مهاجماً حزب الله وإيران طالباً العون والمساعدة من الأنظمة السنية التي غفلت كثيراً وصحت متأخرة على حد وصفه، أكد أيضاً أن لا خيار أمام السوريين رغم فاتورة الحرب الكبيرة إلا احتواء المجاهدين فهم من يحميهم بعد الله، وهذا الفاتح له جمهور كبير في الميدان، وآخر فوق الإحصاء خارجياً جاهز للالتحاق والدعم، أما أمين عام حزب الله صاحب الجمهور الكبير أيضاً داخل لبنان وخارجه، فأعلن معركة الوجود تلك -بشكل غير مباشر- في وجه العمق الذي ينطلق منه الجولاني وفق تقييم الحزب للحرب الدائرة من حيث "إدارتها صهيونياً" كما سبق وصرح عنها في خطابات أخرى، لكن الإرث العقدي الذي ينطلق منه الحزب كحالة خاصة تظهر جلياً في مناسباته الدينية، وتطويعه هذا الإرث في خطاباته العلنية، وما ظهر من علاقة مقاتلي الحزب بشعارات برزت خلال وجودهم على الأرض السورية من مثال (لبيك يا حسين، لبيك يا زينب، مع حوادث وشعارات أخرى تم استثمارها طائفياً) جعلت معركة الوجود هذه في نظر كثيرين ومعهم فريق الجولاني الكبير كمعركة طائفية مذهبية محضة، في وقت يبدو أن نظام الأسد "المضيف" غير قادر على الحسم وفق رؤيته للمعركة التي قد تختلف توصيفاً وفق بداياتها، وغير قابل للتنازل، فلديه هو الآخر أيضاً جمهور لا يستهان فيه حتى لو لم يكن ذاك الجمهور مقتنعاً بقدرة النظام وأحقيته على إدرة دولة أو معركة لكن لا خيار أمامه إلا الوقوف إلى جانبه، والنظام من جهته رغم التصدعات التي ضربت عميقاً في بنيته يمارس دور "السلطة الشرعية" سياسة وإعلاماً من باب سيطرته على الأرض بقوة العسكر وسلاح الجو.

الفاتحة على "الثورة السورية" رسمياً

"فاتح الجزيرة" الطامح لحكومة إسلامية تحرر ديار المسلمين على حد تعبيره، وبمنأى عن الملاحظات التي تؤخذ على شخصيته وحديثه وفق معايير الفكر القاعدي، قام بقراءة الفاتحة على "الثورة السورية" داعياً بالأجر والثواب لمن لم يزل لليوم يتبنى هذا المصطلح ويحاجج فيه، عبر إعلانه بصريح القول للعالم أجمع أنه وجبهته ينتميان لتنظيم القاعدة ويحظيان بتوجيهات ومباركة شيخه أيمن الظواهري، وقد دخلوا سورية منذ  شهر آب/ أغسطس 2011 بعد توفر الظروف المناسبة لعملهم الجهادي، وأنه مع جبهته هم أصحاب الأرض فقط ومحرورها، وهم المسؤولون عن تفجير كافة مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والخدمية بعمليات إرهابية "انتحارية" مدانة بالقانون الدولي بحجة ضرب "تجمعات الجيش والأمن والشبيحة"، بغض النظر عن ضحاياه من المدنيين -الذين على ما يبدو كانوا فداء "الثورة" أو فداء "الإسلام" أو فداء "القاعدة والظواهري"-، وهنا يبرز سؤال هام: ما موقف "الائتلاف" الموصّف بصاحب الشرعية الوحيد في تمثيل الشعب من هذا التطور، وما تقييمه الجديد لفرعي القاعدة "النصرة وداعش" بعدما صارا معلنين رسمياً دون مواربة وبمباركة وسيلة إعلامية تتبنى خطهم، علماً أن "النصرة" سابقاً كانت موضع دفاعهم العتيد، هل يستطيعون هم أو أي فصيل سياسي آخر بعد ذلك معارضة "إيغال النظام في العلاج العسكري براً وجواً" ما دام يكافح إرهاب القاعدة باعتراف قادتها العلني؟

سبق أم سياسة إعلامية جديدة؟

لم تكن غاية "جزيرة الثورات والربيع العربي" والجهة التي تقف خلفها من تقديم "فاتحها"، تحقيق سبق إعلامي على حساب "الثورة الإسلامية السورية"، وهي وسيلة تكفلت بتغطية مسارها وتبنتها بكل حيثياتها، بل كانت غايتها ربما الانسحاب تدريجياً لصالح مسار آخر يخدم نفس الغرض لكن بصورة جديدة تحتاج وقتاً للنضوج، إضافة لبيان اعتدال "جبهة النصرة" المتناسب أساساً مع اعتدال غالبية "الإسلام السني" في سورية، المضطهد من قبل الطائفة النصيرية (العلوية) المسيطرة على مفاصل الدولة كلها والتي قدمت "أهل السنة" كقربان للمجتمع الدولي لتقتل الإسلام وتحمي إسرائيل حالها في ذلك حال حزب الله اللبناني وإيران كما يرى الجولاني، ولذا جاءت ثورة الغالبية رداً لحقوقها واسترجاعاً لمكانتها كجزء من أمة إسلامية كاملة تواجه خطر "المد الشيعي الفارسي" المهدد وجوباً لوجود أنظمة سنية عدة، لم يتردد الجولاني بتسمية بعضها والتفصيل في الآلية التي سيتم فيها زعزعة سلطانها والسيطرة على ثرواتها لاسيما عند حديثه عن الجزيرة العربية، أي نحن أمام لوحة شاملة تمثل خريطة لحاضر ومستقبل المنطقة انطلاقاً من سورية التي تتحمل السلطة فيها أكبر المسؤولية عما آلت إليه حالها، والسوريون بموجب تلك "اللوحة الجولانية" كانوا ومازالوا وقوداً لمعركة غيرهم، وأما الحديث عن (مأساة وحقوق وإرادة الشعب السوري) فكلام سياسي وإعلامي للاستهلاك وخدمة مشروع معين لا أكثر.

العلويون والجولاني.. الداعية والسياسي والحاكم

الجولاني وفق الإطار السابق لم يكن زعيماً قاعدياً خالصاً بقدر ما كان "ناطقا إعلاميا" باسم دولة أو جملة دول تتبنى بشكل تحالفي سياسة واحدة تجاه ما يجري في سورية، وتارة "داعية" يحرض المسلمين على الالتحاق بجبهته جسداً ومالاً عارضاً بشكل موسوعي توثيقي ونبرة هادئة لنشأة جبهته وإنجازاتها والغايات السامية للعمل الجهادي بكافة مراحله، وتارة "سياسي" يتحدث عن "مؤتمر جنيف2" رافضاً له ولأي قرار يصدر عنه، إضافة لشرحه أبعاد ومساوئ التقارب الأميركي- الإيراني مبشراً ومحذراً لأنظمة سنية وقعت في فخ "الاستبدال بحليف جديد"، وتارة "حاكم" يفصل في برنامج حكمه الإسلامي بين المواطنين بناء على انتماءاتهم الدينية حقوقاً وواجبات، دون أن يفوته اللعب على وتر الرواية السائدة من سيطرة النصيريين (العلويين) على مقاليد الحكم والثروة، والتحريض الطائفي ضدهم في سياق حديثه عن النظام وسياسته، دون باقي الأقليات الذين وعدهم على ما يبدو خيراً، بينما مصير العلويين بعد كل ما وصمهم فيه فسيكون فوق ما يمكن تصوره، وللعلم كان مصطلح "معركة الوجود" في أول تجلياته غير المعلنة نتاج الذهنية العلوية بعد انفتاح الأزمة على التطييف والتمذهب جراء الهجوم العنيف الذي تعرضوا له على صعيدي الإعلام والسلاح، وصلت أحياناً إلى حد قطع رؤوسهم أمام الكاميرات وتكفيرهم على الشاشات والدعوة للاقتصاص منهم وحسابهم شر حساب، ونجح هذا المصطلح في إقناع الشريحة الغالبة منهم وتعايشوا معه مدنياً وعسكرياً بسبب "قصور السلطة الإعلامي المتعمّد والدفع بأجهزتها الأمنية لنشر الشائعات شعبياً وتضخيمها فوق المعقول"، وأكمل الأمر نجاحاً إعلام وسلوك المعارضة المسلحة التي جعلت نصف معركتها مع هذا المكون فاصطف وراء السلطة رافضاً أي بديل.

غضب العرعور على شقيقة الجولاني

لم يفت "فاتح الجزيرة" التأكيد على أن جبهته و"داعش" المتواجدة في أماكن عدة ومسيطرة بشكل كامل على الأرض، مولودان من الرحم القاعدي نفسه، وأن ما حدث بينهما من خلاف لا يعدو أن يكون خلاف بيت واحد، لكنه لم يقدم موقفاً واضحاً من اتهامات بل وتخوينات تلاحقها، كان أبرزها من أحد قادة "الثورة الإسلامية السورية" الشيخ عدنان العرعور الذي سبق وأدلى فيها عبر عدة إطلالات متوعداً بالمحاسبة، فهل يفسر العرعور لاحقاً سبب إصرار الجولاني على إخوة "داعش" ما دامت بموجب أدلة ووثائق بين يديه طعنت "الثورة الإسلامية" التي يفاخر فيها في ظهرها وقتلت قادة فصائل ومجموعات تنضوي تحت إطار ما كان يسمى بالجيش الحر؟

نصرالله يتلقى رسالة الجولاني

عبّر الجولاني في حديثه مع "الجزيرة" عن سعادته لدخول حزب الله سورية لأنها أظهرت حقيقة الحزب المتحالفة مع اليهود "إسرائيل" على حد تعبيره، ملمحاً إلى رغبة لدى "أهل السنة" في لبنان لقدوم "النصرة" إليهم وتخليصهم من الظلم، وفي خطابه التالي التقط حسن نصرالله إشارة الجولاني، فشدد على دور الجيش اللبناني وضرورة الالتفاف حوله، ليأتي بعد ذلك بيومين بيان "النصرة" رقم واحد من لبنان متبنياً إطلاق صواريخ بمشاركة جهة أخرى على منطقة الهرمل، ولتنشر لاحقاً أحد المواقع اللبنانية خبراً حول كمين نصبه حزب الله لعناصر من "النصرة" على الأراضي اللبنانية بعد تسللهم غير الشرعي عبر الحدود، ما يعني عملياً أن المواجهة بين "النصرة" و"الحزب" قد تنتقل علنياً إلى لبنان، ضمن ذات المعادلة (معركة الوجود) على اختلاف معانيها، والتي لن تتركها بعض الأطراف الإقليمية والدولية تمر دون سكب قليلاً من الزيت على نارها كما جرت العادة واستثمارها وفق مشروعها، وهي تقوم بذلك كل يوم.

ما مصير سورية وشعبها في هذه المعركة؟

وسط (معركة الوجود) التي قال فيها نصرالله بمعايير محور المقاومة الحاضن للنظام السوري في مشروعيته والقائل –أي محور المقاومة- بأنه يحارب إسرائيل وأدواتها حيث وجدت سواء في سورية أو لبنان أو حتى في أي مكان تشكل خطراً على مقاومته ضدها، وبغض النظر عن اسم أدوات إسرائيل وتابعيتهم، يبدو جلياً أن إسرائيل سحبت الحزب إلى المستنقع السوري، بعدما شوهت سمعة الانتصارات السابقة التي يقول فيها وشغلته (عنها بغيرها) حتى إشعار آخر، وما من خيار أمامه إلا الاستمرار بالمعركة حتى إشعار آخر أيضاً، وسيبقى الصهاينة دائماً حاضرين بذكائهم التخريبي وبأدواتهم مهما اختلفت لإذكاء المعركة كلما خمدت، وفي المقابل تبقى معركة الفرض الواجب لخلاص "أهل السنة" من طغيان النصيريين (العلويين) ومن ورائهم إيران وحزب الله كما قال فيها الفاتح الجولاني متقدة ذهناً ووعياً وسلاحاً، أي نحن أمام شرق النزاعات المذهبية والطائفية الذي استبدل فيه العدو الصهيوني الذي كانت (معركة الوجود) معه أساساً بعدو جديد هو الأخ والصديق والرفيق .. الخ، وللأسف يبدو أن القادم لهذا الشرق انطلاقاً من سورية فوق التوقعات، إلا اللهم إن تحدثت الأمم المتحدة أو "جنيف" بقرار ملزم لجميع الأطراف بوقف العنف والإيذان بمرحلة جديدة، وليبقى السؤال: أين سورية وشعبها مما يجري؟ هل تم الدفع بمسار المعركة بكل تعرجاتها حتى تصل إلى هذه النقطة فيتم حل معضلتها، أم أن هناك فصولاً جديدة لم تظهر بعد؟ هذا ما يكشفه لنا المستقبل.

تتمة المواد في قضايا وآراء

المقال عدد القراءت تاريخ النشر
"معركة الوجود" بين حسن نصرالله والفاتح الجولاني 10587 الإثنين 30 - 12 - 2013 - 00:03
نهاية «النموذج التركي»! 9304 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 21:10
تحالف أوغاد "الأخوان" و"الوهابيين" 9164 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 21:10
"البوبو" 8804 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 20:58
سوريا بانتظار ما يسفر عنه الميدان.. لا «جنيف 2» 7494 الثلاثاء 24 - 12 - 2013 - 02:35
«ربيع إيران».. من كل الجهات 7903 الإثنين 23 - 12 - 2013 - 06:45
فيروز ـــــ زياد واليسار والذئاب الرمادية 8125 الإثنين 23 - 12 - 2013 - 06:19
تَفَكُك «الجيش الحر» أم إطاحة .. الائتلاف؟ 7929 السبت 21 - 12 - 2013 - 23:30
ما إلنا غيرك يا الله!! 7077 السبت 21 - 12 - 2013 - 06:42
مسيحيو "داعش" وأخواتها 6509 السبت 21 - 12 - 2013 - 03:53
تصدر بالتعاون مع : "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا" و "المركز الأوربي لأبحاث ودراسات الشرق الأدنى في لندن"

Issued in Cooperation With:
The National Council for Truth, Justice & Reconciliation in Syria - SYNATIC And The European Centre for Near Eastern Researches & Studies in London - ECNERS

Copyright © 2008-2017 Syriatruth.net/org/info Custom Design by NeyoDesign

Login